من هو الأب؟

سؤال تم طرحه على مجموعة من طلاب الماجستير في إحدى الجامعات.

كانت الإجابات جميلة وتقليدية…
إلا جواباً واحداً، جعل المحاضر يصمت طويلاً وتدمع عيناه…

الأب…
في صغرك، تلبس حذاءه فتتعثر من كِبر الحذاء وصِغر قدميك…
تلبس نظارته فتشعر بالعظمة، وترتدي قميصه فتشعر بالهيبة والوقار.

يخطر ببالك شيءٌ صغير أو طلبٌ تافه، فتطلبه منه بثقة، فيبتسم، ويذهب ليحضره لك دون تردد، وكأن سعادتك أهم من تعبه، وأغلى من حاجاته.

يعود إلى المنزل مُرهقاً بعد يومٍ طويل، يحمل هموم الحياة فوق كتفيه، لكنه ما إنْ يراك حتى ينسى تعبه، فيضمك إلى صدره ضاحكاً،
وأنت لا تعلم كم أخفى خلف ابتسامته من تعبٍ وألم.

كان يراك أجمل طفل في الدنيا…
يفرح بكلامك المتلعثم، ويضحك لأخطائك الصغيرة، ويصفق لأول خطوة تمشيها، وكأنك حققت أعظم إنجاز في الحياة.

كان يسهر لتنام أنت، ويتعب لترتاح أنت، ويؤجل أحلامه أحياناً… حتى لا ينقصك شيء.

تمر السنوات… 
ويكبر ذلك الرجل الذي كنتَ تراه عملاقاً.

واليوم في كبرك…
لم تعد تلبس حذاء أبيك، فذوقه أصبح قديمًا بالنسبة لك.
ولم تعد ترى في ملابسه القديمة إلا بساطة لا تعجبك.
وأصبحت نصائحه الكثيرة تدخلاً في حياتك، بعد أَنْ كانت في صغرك أماناً لك.
تضيق أحياناً بتكرار حديثه، وتملّ من كثرة سؤاله عليك، ولا تعلم أَنَّ العمر حين يثقل الإنسان… لا يبقى في قلبه إلا الخوف على أبنائه.

إذا تأخرت خارج المنزل، ظل ينتظر صوت الباب بقلق، فإن عاتبك على تأخرك، شعرت أنه يزعجك، مع أَنَّ كل ما يريده فقط أَنْ يطمئن عليك.
ترفع صوتك عليه أحياناً…
فيصمت.
ليس خوفاً منك، بل لأن قلب الأب أكبر من أَنْ يقسو على أبنائه.

يتحمّل حدّتك، ويعذر انشغالك، ويغفر كلماتك القاسية…
لأنه يحبك أكثر مما تحب نفسك.

وحين يمشي بجوارك منحني الظهر، بطيء الخطوات، قد تنسى أَنْ تمسك يده، مع أنه كان يوماً يحملك على كتفيه، ويتعب ليختصر عنك تعب الطريق.

الأب لا يخبر أبناءه كثيراً بما يشعر به…
لكنه يستهلك عمره كله لأجلهم بصمت!

يخاف عليهم أكثر مما يخاف على نفسه، ويفرح لفرحهم وكأنه رزق الدنيا كلها، ويتألم لألمهم وكأن الوجع يسكن قلبه وحده.

قد لا يقول لك: أنا متعب!
لكنك ستجد التعب ظاهراً في شعره الأبيض، وفي صمته الطويل، وفي ملامحه التي غيّرتها السنين.

الأب  ذلك الرجل الذي تحمّلك في طفولتك، وفي جهلك، وطيشك، وضعفك، وفي دراستك، وحاجتك، وأخطائك، وكان سندك في شدتك قبل فرحك.

فهل فكرت يوماً.. أَنْ تتحمله في شيخوخته كما تحمّلك في صغرك؟

هل فكرت أَنَّ أجمل ردٍّ للجميل، أَنْ تمنحه بعض الصبر، وبعض الاهتمام، وقليلاً من الحنان الذي أغدقه عليك عمراً كاملاً؟

أحسنوا إلى آبائكم…
فثمّة من يتمنى اليوم أَنْ يعود به الزمن لحظة واحدة، فقط… ليجلس بجوار أبيه، أو يسمع صوته، أو يقبّل يده من جديد.

فالأب حين يرحل…
لا يرحل شخص فقط، بل يرحل سند، وأمان، وظلٌّ كان يحميك دون أَنْ تشعر.

وقد أوصى اللَّه سبحانه بالإحسان إلى الوالدين فقال:
(وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا).[الإسراء: 23].

اللَّهُمَّ احفظ الآباء الأحياء، وارحم من رحل منهم، وارزقنا برّهم والإحسان إليهم ما حيينا، فإن الأب نعمة لا يعرف عظمتها الإنسان إلا حين يفقدها.

قاضي أنيس صالح جمعان 
القاضي انيس جمعان 
23 مايو 2026م

مقالات الكاتب