رئيس الوزراء يصدر قرار هام بشان التعيينات الحكومية
في خطوة وصفت بأنها الأهم لترسيخ العمل المؤسسي، أصدر مكتب رئاسة مجلس الوزراء قراراً تنظيمياً حازماً ي...
على التخوم الشمالية للعاصمة المؤقتة عدن، حيث يتلاشى صخب المدينة وينتهي الإسفلت لتبدأ الأزقة الرملية الضيقة، يمتد حي "البساتين" كشاهد حي على واحدة من أطول قصص اللجوء في المنطقة. هنا، في الحي الذي يلقبه السكان بـ "مقديشو اليمن"، تذوب الحدود الجغرافية لتتشكل هوية فريدة تمزج بين ملامح القرن الأفريقي وروح المدينة العربية.
ذاكرة العبور وهشاشة المستقر
منذ تسعينيات القرن الماضي، كان حي البساتين الملاذ الأول لآلاف الفارين من جحيم الحرب الأهلية في الصومال. واليوم، يحتضن الحي أكثر من 40 ألف نسمة، يعيشون في مربع معقد من "الهوية المعلّقة"؛ جيل أول يقتات على ذكريات الوطن البعيد، وجيل ثانٍ وثالث ولدوا في عدن، يتحدثون لهجتها بطلاقة، لكنهم ما زالوا في نظر القانون "لاجئين" يحملون بطاقات لا تمنحهم حق الاستقرار النهائي.
اقتصاد "اليومية".. صراع البقاء تحت خط الفقر
تستيقظ البساتين على إيقاع القلق؛ حيث يتجمع الرجال عند مفترق الطرق بانتظار عمل عضلي يوفر ثمن وجبة اليوم.
عاشور حسن، شاب في الثلاثينيات، يلخص المشهد بمرارة: "نعيش على اليوم فقط، إن وجدنا عملاً أكلنا، وإن لم نجد ننتظر الغد بلا طعام".
دخل يومي لا يتجاوز 3 دولارات (حوالي 4 آلاف ريال يمني)، هو كل ما يملكه المعيل لتأمين احتياجات أسرته في ظل غلاء معيشي طاحن يضرب البلاد.
ولا يقتصر الكفاح على الرجال، فالمرأة الصومالية في البساتين هي العمود الفقري للصمود، عبر مشاريع متناهية الصغر تمزج النكهات الصومالية باليمنية، في محاولة لترميم فجوة غياب المساعدات الدولية التي تراجعت بنسبة مخيفة.
أرقام وحقائق صادمة
تشير تقارير مفوضية اللاجئين لعام 2025 إلى واقع بائس يواجه سكان الحي:
"تمويل برامج الدعم في اليمن لم يتجاوز 35% من الاحتياجات الفعلية، مما جعل اللاجئ الحلقة الأضعف في سلسلة الأزمات اليمنية المتلاحقة."
انتماء في مهب الريح
الحكاية في البساتين ليست مجرد فقر، بل هي أزمة "انتماء معلق". فاطمة جامع، أم لأربعة أطفال ولدت في عدن، تعبر عن هذا التيه قائلة: "لا نعرف بلداً غير اليمن، درسنا وتزوجنا هنا، لكننا بلا هوية يمنية".
هذا الشعور بالغربة القانونية يلاحق الآلاف الذين يجدون أنفسهم بين مطرقة تراجع المساعدات وسندان انعدام الفرص الرسمية، حتى إن بعض الأسر اختارت "العودة العكسية" إلى الصومال هرباً من الموت جوعاً في بلد اللجوء.
خاتمة: أحلام بين الركام
مع غروب الشمس، يهدأ الضجيج في ممرات البساتين، ويظل الأطفال يطاردون كرتهم بين أكوام النفايات وبيوت الزنك، في مشهد يختزل حكاية شعب عبر البحر هرباً من الموت، ليجد نفسه في مواجهة حياة معلقة بين "يقين الذاكرة" و"مجهول المستقبل".