على مهل تبنى القمم ، حكاية الطموح حين يصبح أثرا
في زمن تتلاحق فيه الأيام كأمواج لا تهدأ ، وتقاس فيه القيم أحيانا بأرقام عابرة ومظاهر سريعة الزوال ،...
في زمن تتلاحق فيه الأيام كأمواج لا تهدأ ، وتقاس فيه القيم أحيانا بأرقام عابرة ومظاهر سريعة الزوال ، يبقى الإنسان الطموح هو الثابت وسط هذا الاضطراب كشعلة لا تنطفئ وبوصلة تهتدي بها الخطى حين تتشابه الطرق ، ليبرز لنا من بين ذلك اسم الدكتور المصري " علي الدكروري " بوصفه تجربة إنسانية قبل أن يكون قصة نجاح مهني ، ومسيرة فكر قبل أن تكون سجل إنجازات
ففي حضوره الأخير في برنامج " بنفكر في بكره " بدا لنا وكأنه في جلسة مصارحة مع الزمن نفسه ، حيث الحوار الهادئ الذي يكشف ما وراء الصورة ، ويعيد تعريف النجاح بوصفه رحلة طويلة من الصبر والتعلم ، لا محطة وصول سريعة ، فقد كان صوته متزنا كمن تعلم أن الحكمة لا تقال بصخب وأن التجربة الحقيقية تظهر في نبرة هادئة وفي كلمات قليلة تحمل عمق السنين ، تحدث عن بدايات متواضعة وعن خطوات صغيرة لم تكن تبدو في ظاهرها استثنائية ، لكنها كانت تحمل إصرارا استثنائيا دائما ، وعن ليال طويلة ذابت فيها المسافات بين الفكرة والتنفيذ وبين الشك واليقين ، وعن صبر لم يكن انتظارا سلبيا بل عملا متواصلا يبني ، ويصحح ، ويتعلم ، من كل عثرة قبل كل نجاح
وفي إحدى عباراته التي بدت كخلاصة تجربة قال : النجاح لا يقاس بسرعة الوصول ، بل بالقدرة على الاستمرار رغم الرياح ، وبالخطوات المتتابعة التي تبني صرحا لا تهزه العواصف ، ومن هنا تتجلى الفلسفة الأعمق في ان القمة ليست نتيجة السرعة بل ثمرة التوازن بين الرؤية والعمل وبين الطموح والصبر ، حين يصبح الطريق نفسه مدرسة وتتحول الرحلة إلى إنجاز قائم بذاته ، فيدرك الإنسان أن النجاح الحقيقي ليس لحظة وصول بل حالة نمو دائم ، لكن ما يميز هذه التجربة ليس فقط تحقيق الإنجاز بل إعادة تعريف غايته ، فدائما مايشدد في حديثه على أن النجاح الذي لا ينعكس خيرا على الآخرين يظل ناقصا ، وأن القيمة الحقيقية لأي إنجاز تقاس بمدى أثره في حياة الناس ، فالإنجاز الذي يخلق فرصا وينشر معرفة ويمنح الأمل ، يتحول من مكسب فردي إلى طاقة مجتمعية قادرة على صناعة مستقبل أفضل ، لتبدو من خلال ذلك الأفكار الطموحة مجرد بداية لا غاية ، فالفكرة التي لا تتحول إلى فعل تبقى احتمالا ، أما حين تترجم إلى عمل منظم ومؤثر فإنها تصبح قوة تغيير حقيقية ، وهنا يتجاوز النجاح حدود الأرقام والأرباح ليصبح رسالة ومسؤولية
إن قصة " الدكروري " ليست حكاية صعود مهني فحسب بل ملحمة إنسانية عن العلاقة بين الفكر والعمل وبين الطموح والعطاء ، إنها تذكير بأن الرقي لا يقاس بالشهادات أو الألقاب بل بما يتركه الإنسان من أثر حي ، وبما يزرعه من فرص وأفكار في حياة الآخرين ، فالقمة في جوهرها ليست مكانا نصل إليه بل قيمة نعيش بها ، والطموح حين يقترن بالحكمة يتحول إلى أداة بناء ، والعمل حين يستند إلى القيم يصبح طريقا لصناعة مجتمع أكثر وعيا وأملا
وهكذا تتحول التجربة من قصة نجاح فردية إلى رسالة أوسع وهي : أن الإنسان هو البداية ، والقيم هي الأساس ، والعمل هو الطريق ، وأن الطموح حين يدار بعقل واع وقلب مسؤول يصبح بصمة لا تمحى ، وحكاية تلهم كل من يؤمن بأن الحلم لا يكفي بل يجب أن يترجم إلى فعل ، وأن يتحول النجاح إلى نور يمتد أثره إلى ما بعد صاحبه .
بقلم الشاعرة والكاتبة / دعاء هزاع الجابري