حين تتحرك الخرائط

لم تعد شمال أفريقيا مجرد امتداد جغرافي هادئ على هامش الأحداث ، بل غدت اليوم مساحة مفتوحة على صراع الإرادات ، ومختبرا حيا لإعادة تشكيل النفوذ الدولي ، ومن هنا يبدأ تداخل الرمال بالبحر ، والتاريخ بالسياسة ، فلم يعد أي تحرك عسكري أو دبلوماسي فعلا معزولا ، بل اصبح إشارة ضمن نص أكبر يعاد فيه كتابة ميزان القوة ، وفي قلب هذا المشهد المتوتر يبرز التعاون " المغربي /الإسرائيلي " لا بوصفه خطوة سياسية عابرة ، بل كصدمة تعيد إيقاظ أسئلة قديمة حول معنى التحالف وحدود السيادة ومستقبل الأمن العربي

أن هذا التعاون لم يأت كحدث منفصل عن سياقه ، بل ولد في لحظة دولية حساسة ، حيث بات النفوذ يقاس بالقدرة على الاختراق لا بالسيطرة المباشرة ، وبالتحالفات الذكية لا بالاصطفافات التقليدية ، وما كان ينظر إليه سابقا كقناة دبلوماسية محدودة تحول تدريجيا إلى أداة نفوذ متعددة الأبعاد ، تعيد تشكيل البنية العسكرية والاستخباراتية والسياسية في شمال أفريقيا وتفتح الباب أمام حضور إسرائيلي مباشر في عمق معادلات الأمن الإقليمي

إن المشهد في شمال أفريقيا اليوم يشبه رقعة شطرنج كبرى ، تعاد فيها توزيع القطع بهدوء ، فيما يطلب من الآخرين الاكتفاء بالمراقبة ، فالتعاون المغربي/ الإسرائيلي لا يمكن قراءته بمنطق الحدث الآني أو البراغماتية الضيقة ، بل ينبغي التعامل معه كتحول استراتيجي طويل الأمد ، يعكس انتقال المنطقة من مرحلة " التحفظ السياسي " إلى مرحلة  " الانكشاف الجيوسياسي" حيث تصبح الحدود رخوة أمام المصالح الخارجية وتفقد التحالفات معناها التقليدي ، 
فمن الزاوية المغربية يقدم هذا التعاون باعتباره خيارا عقلانيا لتحديث القدرات العسكرية وتعزيز الجاهزية الدفاعية في بيئة إقليمية مضطربة ، خاصة في فضاءات الساحل والصحراء التي تشهد تصاعدا للتهديدات العابرة للحدود ، من الطائرات المسيرة ، أنظمة الدفاع الجوي ، تقنيات الرصد والاستخبارات ، جميعها أدوات تسوق بوصفها ضمانات للأمن والسيادة ، غير أن السؤال الأعمق لا يتعلق بما يكتسب من تقنيات بل بما يقدم في المقابل من هوامش القرار ، ومن موقع داخل منظومة نفوذ أوسع ، فالاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية لم يكن تفصيلا قانونيا بحتا ، بل جزءا من معادلة سياسية أوسع تدار فيها المصالح بلغة المقايضة لا المبادئ ، لذلك يصبح التعاون العسكري مع إسرائيل ليس مجرد خيار سيادي بل حلقة ضمن سلسلة إعادة تموضع إقليمي ترسم فيها خطوط النفوذ وفق أولويات القوى الكبرى لا وفق رؤية عربية جماعية

أما من الجانب الإسرائيلي فإن المغرب ينظر اليه كبوابة ، بوابة نحو شمال أفريقيا ونقطة ارتكاز جديدة لتوسيع دائرة النفوذ خارج المشرق التقليدي ، في منطقة تتقاطع فيها المصالح الأوروبية والأمريكية والروسية ، وتدار فيها المنافسة على الأمن والتكنولوجيا والحدود ، ليتحول التعاون الثنائي بذلك إلى أداة ضمن مشروع أوسع تتداخل فيه التكنولوجيا بالأمن ، والسياسة بالاستخبارات ، في مشهد بالغ التعقيد ، غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في هذا التعاون بحد ذاته بل في ما يرمز إليه ، إذ تمتد تداعياته إلى ما هو أبعد من الرباط وتل أبيب لتطال عمق النظام العربي بأكمله ، وخصوصا دول الخليج التي تجد نفسها أمام نموذج قابل للاستنساخ ، نموذج يفتح الأبواب أمام النفوذ الإسرائيلي تحت عناوين " الشراكة والاستقرار " فيما يعاد تعريف الأمن الإقليمي خارج أي إطار عربي جامع

إن هذا الانفتاح العسكري والاستخباراتي يحمل في طياته إمكانية تحويل القضايا العربية الحساسة إلى أوراق ضغط وأدوات ابتزاز جيوسياسي تستخدم عند الحاجة لإعادة ضبط المواقف والسياسات ، وحين تدار التحالفات بهذه الطريقة يصبح الأمن العربي مفهوما هشا ، وتغدو السيادة مسألة نسبية خاضعة لتوازنات لا تصنعها شعوب المنطقة ، لذلك فإن التطبيع المغربي / الإسرائيلي لا ينبغي النظر إليه كحالة معزولة ، بل كمؤشر إنذاري لما قد يحمله المستقبل من اختراقات استراتيجية صامتة تتسلل عبر بوابات " التعاون والاستقرار " ، بينما تعيد تشكيل الخرائط من الداخل ، إنه اختبار حقيقي للوعي العربي يتمحور في سؤال عميق : هل نقرأ التحولات بعين التاريخ ، أم نكتفي بردود الفعل المتأخرة؟
ففي زمن لم تعد فيه التحالفات بريئة يصبح الصمت شكلا من أشكال المشاركة ، وتغدو قراءة المشهد بعمق ضرورة لا ترفا ، فالجغرافيا حين تتحرك لا تنتظر المترددين ، ففي جوهر ما يحدث نحن لا نواجه استعمارا تقليديا بوجوهه الصلبة وجيوشه الظاهرة ، بل شكلا أكثر خبثا ودهاء من " الاستعمار الناعم " ذلك الذي لا يقتحم الأرض بل يتسلل إلى الوعي ، ولا يرفع رايته فوق المباني بل يغرس منطقه في العقول ، ومن هنا تحديدا لا تحتل الجغرافيا دفعة واحدة ، بل تفرغ من معناها تدريجيا حتى تصبح السيادة مفهوما إداريا لا قضية وجود

فالهيمنة الحديثة لم تعد بحاجة إلى الدبابات بقدر حاجتها إلى إعادة تعريف المفاهيم في : من هو العدو؟ ما معنى الأمن؟ وما الذي يعد واقعيا أو غير ممكن؟ ، وحين تنجح قوى النفوذ في التحكم بهذه الأسئلة فإنها تكون قد انتصرت قبل أن تبدأ المعركة ، فيصبح التعاون العسكري والأمني غطاء لعملية أعمق وهي عملية " إعادة برمجة الذهن السياسي العربي " ليقبل بما كان يرفضه ويبرر ما كان يقاومه ، ويعتبر الخضوع الذكي فضيلة سياسية ، إن أخطر ما في هذا المسار هو أن الهيمنة لا تمارس بالقسر بل بالإقناع ، ولا تفرض بالخوف بل بالإغراء ، حيث تقدم التكنولوجيا بدل الاستقلال ، والحماية بدل السيادة ، والتحالفات بدل القرار الحر ، ومع الوقت تتآكل القدرة على التفكير خارج هذه المنظومة ، فيغدو الاعتراض ضربا من المثالية والممانعة تهمة والوعي عبئا على " الواقعية الجديدة " ، وهكذا تتحول المنطقة إلى فضاء مدار لا بفعل الاحتلال المباشر بل عبر شبكات مصالح ، واتفاقيات أمنية ، وتفاهمات استخباراتية ، تنتج نخبة سياسية ترى العالم بعيون الآخرين وتدافع عن خياراتهم باعتبارها قدرا لا فكاك منه ، وفي هذه اللحظة تحديدا تبلغ الهيمنة ذروتها في أن يدافع الخاضع عن شروط خضوعه ، ويعيد تسويقها لشعبه بلغة المصلحة والاستقرار

إن الاستعمار الناعم لا يحتاج إلى إسكات الأصوات بل إلى إغراقها في الضجيج ، ولا إلى قمع الذاكرة بل إلى إعادة صياغتها ، فحين تعاد كتابة التاريخ وفق مقاييس المنتصر غير المرئي يصبح الحاضر هشا والمستقبل مصادرا دون أن تطلق رصاصة واحدة ، لهذا فإن ما نشهده اليوم ليس أزمة تحالفات بل أزمة وعي ، أزمة أمة تدفع إلى قبول الهيمنة بوصفها تطورا وإلى التعامل مع الاختراق بوصفه شراكة ، وفي غياب اليقظة الفكرية الجماعية سيستمر هذا الانزلاق الهادئ نحو عالم عربي منزوع الإرادة ، تدار حدوده من الخارج وتحدد أولوياته بقرارات لا تتخذ باسمه ، فإن أخطر أشكال الاستعمار هو ذاك الذي لا يرى ، وأشد الهزائم إيلاما هي التي ترتكب باسم العقلانية ، وحين يصبح الذهن مستعمرا لا تعود الأرض بحاجة إلى احتلال لأنها تكون قد استسلمت سلفا .

بقلم الشاعرة والكاتبة / دعاء هزاع الجابري

مقالات الكاتب