صراع العملة في عدن: من يربح عندما يخسر المواطن؟
في أحد محلات الملابس في مدينة عدن، يقف أب حائراً أمام محل لبيع ملابس الأطفال. يحمل في يده 41 ألف ريا...
مع اقتراب أيام شهر رَمَضَانَ من نهايتها، يقف المؤمن وقفة تأملٍ عميقة بين ما مضى من أيام الطاعة وما يرجوه من قبولٍ عند اللَّه. ففي هذه اللحظات المفعمة بالسكينة، يشعر القلب بأن هذا الضيف الكريم الذي ملأ الأيام نوراً والليالي روحانية يوشك أَنْ يودّعنا، لكنه يترك خلفه آثاراً لا تزول في النفوس التي عرفت قيمة هذا الموسم الإيماني العظيم.
لقد كان رَمَضَانَ دائماً أكثر من مجرد أيامٍ للصيام؛ إنه محطة سنوية لإحياء الضمير، وتطهير القلب، وإعادة ترتيب علاقة الإنسان مع خالقه ومع نفسه ومع الناس.
إنه مدرسة إيمانية فيه يتعلم المؤمن الصبر، ويهذب فيها النفس، ويهذب شهواته، ويستعيد المعنى الحقيقي للعبادة التي تقوم على الإخلاص والرحمة والعدل.
ومع اقتراب نهاية الشهر الكريم، تتجلى الخواتيم المباركة التي تمثل ذروة هذا الموسم العظيم. فالعبرة في الأعمال ليست بالبدايات وحدها، وإنما بما تُختم به من صدقٍ وإخلاص وقبول. ولذلك كان الصالحون يخشون أَنْ ينقضي رمضان دون أَنْ يكونوا من المقبولين، فكانوا يجتهدون في آخره أكثر مما اجتهدوا في أوله. لأن حسن الختام هو علامة التوفيق، ودليل القبول. وقد أرشدنا إلى هذا المعنى العميق قول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنّما الأعمالُ بالخواتيم).[رواه البخاري].
العشر الأواخر: ذروة القرب من اللَّه
تأتي الأيام الأخيرة من رمضان، كأنها تاج هذا الشهر المبارك، هي أعظم أيامه قدراً، ففيها الليالي التي تتنزل فيها الرحمات، وتفتح فيها أبواب السماء للدعاء، ويقترب فيها العبد من ربه بقلبٍ خاشعٍ وروحٍ متضرعة.
ولذلك كان النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخلت العشر الأواخر من رَمَضَانَ شدّ مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله، طلباً لبركة هذه الليالي المباركة وحرصاً على اغتنامها، وقد روت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كانَ إذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيَا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أهْلَهُ).[رواه البخاري].
وفي هذه الليالي المباركة تتجلى أعظم ليلة في العام، وهي ليلة القدر التي جعلها اللَّه خيراً من ألف شهر. وقد قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ).[رواه البخاري ومسلم]. وهكذا تصبح هذه الليالي فرصة عظيمة لمن أراد أَنْ يجدد توبته، ويختم شهره بخيرٍ وطاعة.
إنها لحظات تتجلى فيها حقيقة القرب من اللَّه، حيث يشعر المؤمن بأن أبواب السماء مفتوحة، وأن الدعاء أقرب إلى الإجابة، وأنَّ الرحمة الإلهية أقرب إلى القلب من أي وقتٍ آخر.
بين الخوف من الرد ورجاء القبول
في خواتيم رَمَضَانَ يعيش المؤمن حالةً روحية فريدة تجمع بين الخوف والرجاء. فهو يخاف أَنْ يكون قد قصّر في حق هذا الشهر العظيم، ويرجو في الوقت نفسه أَنْ يتقبل اللَّه منه القليل فيجعله كثيراً بفضله وكرمه.
ولذلك كان من دعاء الصالحين في هذه الأيام:
"اللَّهُمَّ تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم."
فالمؤمن لا يعتمد على عمله بقدر ما يعتمد على رحمة اللَّه، بل يرى دائماً أنَّ فضل اللَّه أكبر من عمله، وأنَّ رحمة اللَّه أوسع من تقصيره. ولا يرى في طاعته فضلاً لنفسه بقدر ما يرى فيها نعمة من اللَّه تستوجب الشكر.
.
الخاتمة الحقيقية بعد رمضان
ليست الخاتمة الحقيقية لرمضان هي آخر يومٍ فيه، وإنما ما يبقى من أثره في حياة الإنسان. فإذا خرج المؤمن من رَمَضَانَ بقلبٍ أنقى، ولسانٍ أصدق، ونفسٍ أكثر رحمةً وعدلاً، فقد نال ثمار هذا الشهر المبارك.
فالله الذي يُعبد في رمضان هو نفسه الذي يُعبد في سائر الشهور، والطاعة التي تعلمها الإنسان في رَمَضَانَ ينبغي أن تستمر في حياته بعده. إنَّ رَمَضَانَ لا يريد من الإنسان أَنْ يكون صالحاً ثلاثين يوماً فقط، بل يريد أن يعلمه كيف يعيش صالحاً طوال حياته.
المصالحة مع النفس والناس
ومن أعظم معاني خواتيم رمضان أَنْ يراجع الإنسان علاقته بالناس. فكم من قلوبٍ تحتاج إلى عفو، وكم من علاقاتٍ تحتاج إلى إصلاح، وكم من خصوماتٍ يمكن أن تنتهي بكلمة طيبة أو اعتذار صادق.
فالصيام الحقيقي لا يكتمل إلا إذا أثمر خلقاً حسناً، ورحمةً في التعامل، وعدلاً في الحكم على الناس. ولهذا كان رَمَضَانَ فرصة عظيمة لتطهير القلوب كما تُطهَّر الأبدان.
رسالة الوداع الجميل
وعندما يودّع المؤمن شهر رَمَضَانَ، فإنه يودّع ضيفاً كريماً جاء بالبركة والسكينة، وعلّم القلوب كيف تعود إلى اللَّه. لكنه يعلم أنَّ هذا الوداع ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة يعيش فيها بما تعلمه من هذا الشهر العظيم.
إنَّ أجمل ما في رَمَضَانَ ليس فقط حضوره، بل ما يتركه في القلوب من نورٍ يبقى بعد رحيله، وما يغرسه في النفوس من يقينٍ بأن طريق الطاعة مفتوح دائماً لمن أراد السير فيه.
وهكذا تبقى الخواتيم المباركة لشهر رَمَضَانَ رسالة إيمانية عميقة تقول لكل قلبٍ مؤمن:
إنَّ الطريق إلى اللَّه لا يقاس بطول الزمن، بل بصدق النية.
وأنَّ أعظم الربح ليس في عدد الأيام التي صمناها، بل في القلوب التي تغيرت، والنفوس التي اقتربت من اللَّه.
نسأل اللَّه أَنْ يتقبل منا الصيام والقيام، وأن يجعلنا من المقبولين في هذا الشهر الكريم، وأن يرزقنا حسن الخاتمة في رمضان وفي سائر أيام حياتنا. وأَنْ يكتب لنا عودةً متجددة إلى مواسم الخير والطاعة
القاضي أنيس صالح جمعان