هادي حتى النهاية

ظل الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي في قلب الصراع حتى توقف قلبه. أرضاك أسلوبه أو لم ترضَ... سيان؛ إذ دخل تاريخ اليمن رئيساً بتوافق الجميع، بعدما نقلته الأحداث من الظِل إلى حَرور السياسة وتجلت قدراته خلال محنٍ متوالية.

تبوأ مواقع حساسة تحمل معها نصيباً من المسؤولية عن قرارات ومواقف مهمة في مراحل مفصلية.

بشجاعة خاض حرب 1994 دفاعاً عن وحدة البلاد وهو وزير للدفاع، وبشجاعة أيضاً اعتذر عن أخطائها لما غدا رئيساً للبلاد، وفي عهده نشبت حرب 2015 التي أوكل مهمة إنهائها إلى مجلس القيادة الرئاسي، بحسب إعلان نقل السلطة فجر السابع من نيسان/أبريل 2022.

منذ كان نائباً للرئيس علي عبدالله صالح، ومن قبل أيضاً، واكب فعاليات كبرى يمنية وإقليمية ودولية وشاركها، أتاحت له الإطلالة من شرفة مميزة على زوايا دقيقة، تشكل نواة حكايات تختزنها ذواكر معاصريه عما اكتسب من خبرة ومعرفة طوال سني حياته الثمانين.

باعتبار وضعه الدستوري والسياسي كنائب رئيس يواجه النوائب، ترجّح اختياره خلفاً للرئيس علي عبدالله صالح، وفق المقترحات اليمنية ثم المبادرة الخليجية والمباركة الدولية.

فضلاً عن مشقة أن يكون هادي خلفاً للرئيس صالح، وفي ظل وجوده الطاغي، كذلك غيرُ سهلٍ البتة أن يُحكِمَ أحدٌ حُكمَ اليمنَ وسط تلك العواصف والمتغيرات. ليصدق الشاعر:

وأتعس الناس في الدنيا وأنكدهم ...
من يمتطي الليثَ أو يحكم اليمنا

حاول الرئيس هادي محاكاة سلفه واستخدام بعض حِيله لإحراز بعض الأهداف لمصلحة مشروع "الدولة الاتحادية" أو "اليمن الجديد" الذي ظل ينشده؛ لكن المحاولةَ لم تنتهِ على النحو المأمول، إذ سرعان ما انقلب السحر على الساحر. انظروا كيف تمادى المتمردون الحوثيون والانتقاليون الجنوبيون إثر المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، والشراكة تحت ظل سلطات هادي.                                                                          

بفعل تشابك العوامل الموضوعية والذاتية، داخلياً وخارجياً، لم تكتمل الصورة الإيجابية التي أراد هادي التقاطها لعهده الذي تتشابه ظروفه قليلًا مع ظروف رؤساءٍ سابقين في لبنان أيام الحرب الأهلية، من حيث تفشي فيدرالية الميليشيات، تعدد التدخلات، شيوع الاغتيالات، وتوالي الأزمات... لتنتصب ظاهرتان متماثلتان: "اليمننة" و"اللبننة".

بخطاب ونمط هادئ يستوعب إرث الصراع اليمني مدى ستين عاماً، جنوباً وشمالاً، جاء هادي في خضم الاضطراب وأجواء تغيير عاصف. ورغم هدوئه الظاهري اتضح كيف تهيج أعماقه إزاء ما يمسه ويثير هواجسه، فيتصرف ويقرر دونما رجوع إلى أحد. لكن المشير هادي، زميل العقيد معمر القذافي في ساندهيرست، فضّل لنفسه نهايةً آمنة، فخرج من البوابة ذاتها التي دخل منها: التوافق.

رغم الاختلالات في عهده والمآخذ المرصودة، يُحمَد له أن لم يعتقل صاحب رأي رغم سيل الهجمات ضده. ناهيك بهدوئه في معتزله، حيثما اختفى بعدما اكتفى.

فيما يَدين يمنيون بالعرفان لأدوار الرئيس الراحل هادي، يُدين يمنيون آخرون أداءه؛ وبين من يقِدره ومن لا يَعذُره، يبقى اليمن، وكل من يحكم اليمن، أكثر شيء جدلًا.


*عضو مجلس الشورى اليمني

مقالات الكاتب

صفقات هناك وصفقة هنا

تهتم الأسرة الدولية بمصالح الدول الكبرى، وتهتم الأسر اليمنية بمصائر أسراها.ركزت الأنظار على زيارة ال...

فك شيفرة

 الوحدة - ٢٢ مايو ٢٠٢٦في لحظة تاريخية فاصلة طوى اليمنيون صفحات الصراع المتواصل بين قيادتي شطري...

بغير أجندة...!

عوضاً عن ملاحقة ضوضاء الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية وغير الطبيعية، يجدر اللحاق بفعاليات إنسانية...