وداعًا سلمى

بينما كنت أتحدث مع أمينة مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت بمبنى نعمة يافت، فوجئت بكتلةٍ إنسانية يعلوها بياض الثلج تهب على الصالة. بكل سرور وود وقفت أمينة المكتبة ومن معها يرحبون بمقدم السيدة الكبيرة التي تأتي أسبوعياً حاملةً في يدها كتاباً تعيده لتستعير غيره.

إذ تشعرون ستعرفون كيف تحلق الروح من السعادة حين ترى دأباً وأدباً متدفقاً في مثل هذا العمر، ليس يحده أو يحول شيء دون عطائه وَجوده وإثبات وُجودِه.

ذات نهارٍ بيروتي يحين موعد لقاء مع الصديقة الأديبة رشا الأمير، وتتجدد المفاجأة بأن ألتقي بوالدتها السيدة سلمى مرشاق سليم، ونستذكر اللقاء الأول بالمكتبة. المفاجآت هنا لا تنتهي، ستعرف معي أن هذه السيدة من "شوام مصر" ملمةٌ ببعض شؤون اليمن الماضية وكبار أعلامه ممن عرفوا زوجها الراحل المحامي محسن سليم، وربطتهم علاقات تعاون وصداقة.

حدود المعرفة لن تقف عند هذا الحد، حيث يتكشف لك اعتزاز سلمى بتلمذتها على يد أساتذة من نوعية المترجم والأديب الراحل "وديع فلسطين" الذي أهدى تلميذته وصديقة عمره "سلمى" مكتبةً عامرة بالمطبوعات والوثائق، حسبما وثقت الصديقة الروائية العراقية إنعام كجه جي هذه الهدية عبر محتوىً مصور.

حتى تلك اللحظة التي التقينا فيها، لم تزل تجوب المكتبات الخاصة والعامة تنقب وتبحث وتنجز دراسات تاريخية، مستعينةً بتشجيع ومحبة وصبر العاملين في المكتبات التي ترتادها، ساخرةً من تسعينية العمر، فضلًا عن رعايتها الخاصة لدارسين وباحثين آخرين.


بامتنانٍ تلقيتُ بعض هداياها المطبوعة، عن "إبراهيم المصري رائد القصة النفسية"، وكتابها أو "لوحتها" عن "نقولا الحداد... الأديب العالم (1872 – 1954م" راصدةً نتاج شخصه الموسوعي الطليعي. تسلمتُ الكتاب الممهور بإهداءٍ إلى (محدثكم): "...الديبلوماسي دون لقب سوى اللطف وسرعة البديهة"؛ في أثناء استضافةٍ كريمة وسط دارة محسن سليم الحاضنة لمركزي إشعاع تنويري وسط حارة حريك، هما "دار الجديد" و"مؤسسة أمم للتوثيق والأبحاث".

بالجلوس إلى سيدة الدارة المضيافة وهي تغمرك بود الصديق وحنان الأم، يتبين لك أن ما شيده لقمان سليم، من أمجاد نشر وتوثيق مع شقيقته رشا -الصامدة الفريدة- فضلًا عن سمات الفكر والعمل والبحث عن "العدالة من أجل لبنان" بعد أبيهما، يتبين وراثة خصالٍ عن أمٍ كريمة جادت بولدها لقمان قرباناً لانعتاق لبنان وخلاصه من الخوف والقهر، وعاشت بعده تكابد فقده.

أيقونة الصبر سلمى مرشاق سليم، بما امتد من عمرها إثر اغتيال ولدها، حدثّت صور وأرواح أمهات ثكالى في التاريخ، وآباء محتسبين مثل الزعيم اليمني الأستاذ أحمد محمد نعمان الذي فقد بكره الفذ "محمد" في بيروت قبيل الحرب الأهلية، والصحافي والسياسي اللبناني غسان تويني من خسر نجله اللامع "جبران" وغيرهم.

لا ريب أن أنهكها الحزن الأليم وقد استوطن قلبها عقب استشهاد فلذة كبدها و"صديقها" لقمان؛ إنما بثباتها وصبرها ودعائها دائماً على قتلته: "الله يجازيهم، ولا أقول يعميهم لأنهم عمي تماماً"، عاشت سلمى عزاءً لمن يعزيها، يتأسى بها كل من فقد عزيزاً، وافتقد حبيباً يسكن الأجداث والضمائر الحية.

في الأعالي تلتقي أيقونة الصبر سلمى مع أيقونة الفداء لقمان، ولن يفنى الصبر بعدها، إذ تحلق روحها في كل مكتبة ونادٍ تقطف إعجاب ومحبة الرواد والأهل والأصدقاء.

النهار

مقالات الكاتب

مهمة يمنية جديدة

رجع رئيس الحكومة اليمنية الجديدة ووزير خارجيتها الدكتور شائع محسن الزنداني أول أيام شهر رمضان منفذاً...