القعقاع بن عنتر ثالث هامة رياضيّة يمنيّة
همدان الحيدري
مِن اليمن برزت ثلاث مواهب رياضية عالمية وعربيّة :علي محسن المريسي : لاعب القرن في اليمن في استفتاء 2...
حين وصلت إلى بودابست فجر يوم خريفي بارد من عام 1980 لم أكن أعرف شيئا عن تفاصيل الحياة اليومية في تلك الدولة الأوروبية الشرقية. كنت مرهقا ومثقلا بالنعاس بعد أن سافرت بالقطار يومين متتاليين دون نوم تقريبا. قلت "سأجد فندقا وأنام فيه يوما كاملا". توجهت إلى أول تكسي صادفني وطلبت منه أن يقلني إلى أقرب فندق، لكن لا يبدو أنه فهمني. جربت ثانيا وثالثا إلي أن حظيت بسائق يتحدث القليل من الإنجليزية ، لكن معرفته باللغة لم تحل مشكلتي. كنت قد سافرت كثيرا في أوروبا حتى ذلك الوقت وكنت معتادا على أن أقول للسائق أن يأخذني إلى أقرب فندق فيفعل، لكن هذا السائق لم يتحرك، بل طلب مني أن أعطيه اسم فندق محدد. بدأت أفقد أعصابي، وكنت في حالة رثة أصلا. "أنا أزور المدينة للمرة الأولى ولا أعرف أي فندق هنا، إنطلق يا رجل!" لكنه رفض وأصر على أن أحدد الفندق الذي أريد الذهاب إليه. غادرت السيارة وأنا أجر حقيبة حزمت فيها كل حياتي وقررت أن أستقل الحافلة إلى وسط المدينة . حاولت شراء تذكرة من السائق لكنه كان يجلس في مقصورة مغلقة ولا يتواصل مع الركاب. خمنت أن شخصا آخر على متن الحافلة سيبيعني تذكرة لكتي لم أر واحدا. هنا لجأت إلى تفكيري الإبداعي واستنتجت أن المواصلات في هذا البلد الاشتراكي مجانية. لم تمض دقائق حتى صعد شخص يرتدي شارة غريبة وبدأ يطلب تذاكر الركاب . أين اشترى كل هؤلاء الركاب تذاكرهم ؟ رطن معي بلغة لم أفهمها، فحاول أحد الركاب الذي يتحدث القليل من الإنجليزية أن يساعدني. قال إن علي أن أدفع ٢٥ دولارا . نعم ؟ تذكرة الباص بخمس وعشرين دولارا في هذه المدينة الاشتراكية ؟ ضحك الرجل لا أدري لماذا، أما أنا فقررت مغادرة الحافلة والبحث عن تكسي في هذه المدينة الغريبة التي تكاليف استخدام الحافلة فيها أغلى من التكسي. طبعا علمت لاحقا أن تذكرة الحافلة رخيصة جدا لكن المبلغ الذي كان علي دفعه كان غرامة لأنني لم أكن أحوز تذكرة. لكن أين أشتري تذكرة ؟ لا جواب حتى اللحظة.
أوقفت سيارة تكسي وقد بدأت المدينة تستيقظ وشوارعها تعمر بالمارة. تأملت في وجوه الناس، ملامحها فيها استرخاء غريب ، يسيرون متمهلين، بعكس الناس في شوارع المدن الغربية التي زرتها، والذين يحثون الخطى كأنهم في محاولة دائمة للحاق بموعد يكاد يفوتهم. ملامح وجوه الفتيات فيها مسحة شرقية ، ونسبة الجمال أعلى منها في أي مدينة أخرى زرتها من قبل، هكذا شعر الشاب اليافع الغريب في شوارع هذه المدينة الغريبة.
حين توقف التكسي وجدت نفسي في محطة القطار مرة أخرى ، وشاب ملامحه عربية يمسك عصا غليظة ويلوح بها مرددا شتائم بالعربية لم أكن أعرف لمن يوجهها بالضبط، لكن تلك الشتائم العربية بددت شيئا من إحساسي بالغربة والضياع. توجهت إليه وأردت أن أعانقه تعبيرا عن عرفاني لوجوده هنا، فإذا به يعاجلني سائلا بالإنجليزية : change ?
اتضح أنه يعمل في تبديل العملة. قلت له بالعربية إني أبحث عن فندق . فترت لهجته وهو يشرح لي أن في الداخل مكتبا لتأجير الغرف عند عائلات مجرية . دخلت واستأجرت غرفة في حي قريب، ثم توجهت إلى العنوان وقد انتصف النهار لأبدأ مرحلة جديدة من حياتي في مدينة ستستضيفني لربع قرن من الزمن.