قوات الرئيس رشاد العليمي.. الحكمه والعلم والخبره
في المراحل المفصلية من تاريخ الدول، لا يكون السؤال المطروح من يحكم فقط، بل كيف يفكّر من يحكم وبأي أد...
يُعدّ فهم طبيعة المجتمع مدخلًا أساسيًا لأي مشروع دولة ناجح، وهو ما أدركه مبكرًا عالم الإجتماع ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، حين أسّس لعلم العمران البشري بوصفه علمًا يفسّر حركة الدول وصعودها وأفولها من خلال فهم البنية الاجتماعية والعصبية وأنماط التضامن والاقتصاد والعمران.
وإذا ما نظرنا إلى تجربة فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، المتخصص في علم الاجتماع، نجد أنه يدير الدولة في السياق اليمني المعقّد عبر إستيعاب عميق لهذه المحددات التي تحدّث عنها ابن خلدون قبل قرون.
يرى ابن خلدون أن “العصبية” ليست مجرد انتماء قبلي ضيق، بل هي رابطة تضامن اجتماعي تمنح الجماعة القدرة على التنظيم والحماية وإقامة الدولة.. واليمن، بتكوينه القبلي والمناطقي وتنوعه الثقافي، يمثل بيئة نموذجية لفهم هذا المفهوم.
من هنا، فإن الإدارة الحكيمة تقتضي التعامل مع العصبيات باعتبارها طاقة اجتماعية يمكن توجيهها نحو الاستقرار والبناء، بدل تركها تتحول إلى أدوات صراع وتفكك.
الدكتور رشاد العليمي، بوصفه متخصصا في علم الاجتماع، يدرك أن المجتمع اليمني ليس كتلة واحدة، بل منظومة مركّبة من القبيلة، والمدينة، والنخب السياسية، والفاعلين المحليين، والمؤسسة العسكرية، والشتات اليمني في الخارج. وهذه الرؤية تقترب كثيرًا من التحليل الخلدوني الذي يربط بين الدولة والمجتمع بعلاقة تأثير متبادل؛ فالدولة القوية عند ابن خلدون تنبع من مجتمع متماسك، والإدارة الرشيدة تقوم على فهم ديناميات هذا التماسك.
كما أن ابن خلدون أشار إلى أهمية العدالة في تثبيت أركان الحكم، واعتبر الظلم مؤذنًا بخراب العمران. وفي الحالة اليمنية، فإن ترسيخ مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون، وضبط الموارد العامة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، كلها عناصر تتسق مع هذا الفهم. الإدارة الناجحة ليست مجرد قرارات سياسية، بل هي إعادة هندسة للعلاقات الاجتماعية على أسس من الثقة والتوازن.
ومن زاوية أخرى، تحدّث ابن خلدون عن أطوار الدولة: النشأة، والقوة، والترف، ثم الضعف ، واستيعاب هذه الدورة التاريخية يمنح صانع القرار قدرة على تجنب عوامل التآكل المبكر، عبر تجديد النخب، وتعزيز الكفاءة، ومنع احتكار النفوذ، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة، وهنا يبرز البعد السوسيولوجي في القيادة؛ إذ لا تُدار الدول فقط عبر الأدوات الإدارية، بل عبر قراءة التحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة.
اليمن اليوم بحاجة إلى مقاربة تتجاوز الحلول الأمنية الآنية إلى رؤية اجتماعية شاملة، تستثمر في التعليم، وتعيد الاعتبار للمؤسسة، وتوازن بين المركز والأطراف، وتدمج الطاقات المحلية في مشروع وطني جامع، هذه المقاربة حين تستند إلى فهم علمي لطبيعة المجتمع، تقترب كثيرًا من المنهج الخلدوني الذي يرى في المعرفة الاجتماعية أساسًا للاستقرار السياسي.
إن الربط بين فكر ابن خلدون والخبرة الأكاديمية للدكتور رشاد العليمي لا يعني إسقاطًا حرفيًا لنظريات تاريخية على واقع معاصر، بل يعني الاستفادة من جوهر فكرة أن لا دولة قوية بلا فهم عميق للمجتمع.
ومن هذا المنطلق، تصبح الحنكة السياسية امتدادًا للوعي السوسيولوجي، ويغدو الحكم الرشيد نتيجة طبيعية لفهم دقيق لتركيبة المجتمع وحركته الداخلية.
وبذلك، فإن إدارة اليمن باقتدار لا تنفصل عن قراءة علمية لمجتمعه، تمامًا كما قرأ ابن خلدون مجتمعات عصره، فاستخلص قوانين العمران. الفارق هو الزمن، أما جوهر المعادلة فواحد: من فهم المجتمع، أحسن قيادته.