أقصر مناشدة في التاريخ
الأخوة / رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي الأكارم .. كما سمعنا أن هناك أقصر خطبة في التاريخ ، ف...
في المراحل المفصلية من تاريخ الدول، لا يكون السؤال المطروح من يحكم فقط، بل كيف يفكّر من يحكم وبأي أدوات يدير السلطة في زمن الانقسام. واليمن، وهو يعيش واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا، يجد نفسه أمام تجربة قيادة يمثلها الدكتور رشاد محمد العليمي، تجربة تقوم على الهدوء، وإدارة التوازنات، وتقديم الدولة بوصفها فكرة قبل أن تكون سلطة.
عرفتُ العليمي للمرة الأولى عام 1999، عندما كان مديرًا لأمن محافظة تعز ، في ذلك اللقاء العابر، الذي جمعنا في سيارة واحدة، كنت أحمل عنه صورة رجل الأمن التقليدي، الضابط المحنّك الذي لا يتحدث إلا بلغة الإجراءات ، غير أن حديثه يومها فاجأني؛ إذ انفتح على السياسة، والمجتمع، وعلى علاقة الدولة بالقبيلة، وعلى الجغرافيا بوصفها عنصرًا فاعلًا في تشكيل الوعي والسلطة، كان حديثًا تحليليًا هادئًا، أقرب إلى نقاش أكاديمي منه إلى خطاب أمني.
صارحته حينها بأنني كنت أراه رجل أمن فقط، فإذا به يبتسم ويعرّفني بنفسه بوصفه أكاديميًا مهتمًا بعلم الاجتماع، ثم أهداني أحد مؤلفاته، كانت تلك اللحظة بالنسبة لي كاشفة لشخصية لا ترى في الأمن أداة قمع، بل وظيفة مرتبطة بفهم المجتمع وتنظيمه بالقانون.
منذ ذلك اللقاء، ظليت أتابع مسيرته بإهتمام وأستمع لحديثه بإنصات في كل لقاء، تدرّج العليمي في مواقع الدولة الحساسة، من العمل الأمني، إلى وزارة الداخلية، ثم إلى مواقع سياسية واستشارية عليا في قلب القرار، وصولًا إلى رئاسة مجلس القيادة الرئاسي. وهو اليوم يقف على رأس الهرم القيادي في اليمن، لا في ظرف طبيعي، بل في مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحرب بالسياسة، والانقسام الداخلي بالتدخلات الإقليمية.
هذا المسار يفسّر إلى حد كبير مقاربته الحالية للسلطة.
فالعليمي لا يتعامل مع الدولة بوصفها غلبة طرف على آخر، بل كحدٍّ أدنى يجب الحفاظ عليه وسط الفوضى، خلفيته الأكاديمية في علم الاجتماع، وكتاباته حول العلاقة بين القانون والواقع الاجتماعي، تنعكس بوضوح في ميله إلى التوافق، وإدارته الهادئة للخلاف، وإيمانه بأن الاستقرار لا يُفرض بالقوة وحدها.
قد يرى البعض في هذا النهج هدوءًا مفرطًا، وقد يراه آخرون واقعية سياسية ضرورية في مرحلة انتقالية معقّدة، وبين هذين التقديرين، تبقى تجربة رشاد العليمي تعبيرًا عن نمط قيادة يسعى إلى منع الانهيار، أكثر من سعيه لتحقيق انتصارات.
في المحصلة، لا يمكن فصل تقييم الرجل عن السياق الذي يعمل داخله، فهو لا يقدّم نفسه منقذًا، ولا يَعِد بحلول سحرية، بل يتحرك ضمن توازنات صعبة، بأدوات محسوبة، مستندًا إلى خبرة أمنية، ورؤية قانونية، وفهم اجتماعي للدولة اليمنية، وهي مقاربة قد لا تُرضي الجميع، لكنها تعكس إدراكًا عميقًا لحساسية اللحظة، وحدود الممكن فيها.