تعز تدفع ثمن الحياة من أرواح صغارها.. مرثية غاضبة لحمود خالد الصوفي.

كريتر سكاي: خاص

 

بكلمات مثقلة بالانكسار والغضب، عبر محافظ تعز الاسبق والقيادي المؤتمري البارز حمود خالد الصوفي عن حالة الذهول التي تعيشها مدينة تعز جراء توالي الفواجع، من رصاص القناصة إلى غدر السيول.

وفي مقالته الأخيرة، استعرض الصوفي صورة المدينة التي باتت "تستدين الألم دفعة واحدة"، متوقفاً عند حادثة غرق الطفل "أيلول عيبان"

معتبراً أن غياب الموقف الرسمي يمثل قمة العجز. النص جاء كصرخة استغاثة تطالب بـ "هدنة مع الموت"

مشيداً في الوقت ذاته بـ "فتية تعز" وشبابها الذين يخرجون من بين الركام لمواجهة الأزمات بصدور عارية وقلوب صابرة.


وجاء في مقال الصوفي الذي تم رصدها دون أي اضافة او تعديل عليها:
حتى الماء يا تعز .

 

ذلك الذي كنا ننتظره ليغسل تعبك، ويطفئ عطشك، ويعيد للحياة نبضها في شوارعك المتعبة…
صار حين يهطل عليك، لا يرحل إلا بعد أن يقتطع من جسدك طفلاً…
كأنكِ مدينةٌ كتب عليها أن تدفع ثمن الحياة… من أرواح صغارها.
أطفالكِ يا تعز…
أولئك الذين لم يكتمل نطق أسمائهم بعد…
تخطفهم المنايا على هيئة مرضٍ، أو رصاصةٍ غادرة، أو سيلٍ أعمى، أو دروبٍ مفتوحةٍ على التيه…
يمضون واحداً تلو الآخر ...
كأن الموت وجد فيكِ وطناً… واستقر.
قل لي ايها القدر القادم الينا من مدارات  السماء…
هل كان ينقصنا شيء؟
هل كنا فقراء إلى هذا الحد حتى نستدين كل هذا الألم دفعةً واحدة؟
أم كنا أغنياء بالحزن إلى درجة أننا فتحنا له أبوابنا… فاستوطننا بلا رحمة؟
نصحو على فاجعة…
وننام على أخرى…
وبين الصحو والنوم، نُشيّع ما تبقى من قدرتنا على الاحتمال…
حتى صارت المراثي لغة يومية…
وحتى خجلت الحروف من كثرة ما استُنزفت في البكاء.
ولو صرخنا الآن:
أما يكفي يقوم؟
ينفجر السؤال في وجوهنا كأنه لغم…
فنحن لم نعد نحتمل حتى فكرة النجاة.
أما آن لنا أن نمد أيدينا للحياة…
كي نصافحها..
كي نستبقيها؟
كي نتصالح معها و ننشدها هدنة مؤجلة بين موت و موت ؟!
أما آن لهذا النزيف أن يتوقف… ولو خجلاً من هذا الكم الهائل من الدموع؟
حادثة الطفل أيلول عيبان السامعي و مجاهد و غيرهم …
لن تمر…
ستبقى كغصةٍ في حلق الذاكرة…
كصوت أمٍ معلّق بين السماء والأرض…
كزمنٍ ثقيلٍ عالقٍ في تلك الساعة الطويلة
حين كنا نعدّ الثواني بالدعاء…
ونكذب على خوفنا بالأمل…
كنا نعلم… في أعماقنا المرتجفة…
أن السيل إذا ابتلع طفلاً… لا يعيده…
لكننا نتمسك بالرجاء…
خشية أن يسقط آخر خيطٍ يربطنا بالرحمة.
أنا موجوع يا تعز…
وجعٌ لا يُقال…
وجعٌ يضيق به الكلام، وتختنق فيه اللغة،
ويتحول فيه الغضب إلى رمادٍ ثقيلٍ فوق الصدر…
أكاد أسخط على كل شيء…
على العالم… على العجز… على هذا العبث الكبير… على السلطة المحلية و الحكومة التي لم تكلف نفسها عناء الوقوف على ما حدث ولو بتصريح يتيم ميت ..ماذا يحدث ؟

العالم اهتز يوم سقط الطفل المغربي ريان أورام في بئر، عام ٢٠٢٢م 
توحّدت الجهود، وتسارعت الإمكانيات،
أما نحن…
فنُترك لنبكي،
ونبحث،
وننتظر… حتى يتعب الأمل.
بقدر ماهي مأساة ،
فهي ايضاً إدانة كاملة لكل هذا العبث،
لكل هذا العجز،
لكل من اعتاد أن يرى الألم… ويمرّ.

إلا أولئك الفتية…
شبابكِ يا تعز... اولئك الذين يخرجون من بين الركام رجالاً…
كلما اشتدت المحنة، كبروا…
وكلما ضاقت الحياة، اتسعت قلوبهم.
وجعي يا تعز…
هذه المرة ليس نصاً او مرثية …
إنه شاهق…
كجبلٍ ينوء بحمله القلب…
كسنبلةٍ وحيدةٍ في مهبّ الريح…
تضربها العواصف من كل الجهات…
ولا تنكسر… لكنها تنحني…
وتبكي بصمت.

 

//
// // // //
قد يعجبك ايضا