اليمن بين التفكك وإعادة التأسيس: من منطق إدارة الأزمة إلى هندسة الدولة.
يقف #اليمن اليوم عند مفترق حاسم: إما الاستمرار في صراعات وأزمات مفتوحة، أو الانتقال إلى مشروع إعادة...
يقول البردوني في كتابه "اليمن الجمهوري" إن مقاومة #تهامة بقيادة #الزرانيق لجيش الإمامة الزيدي كانت من أهم أسباب انتصار ثورة 26 سبتمبر 1962، بعد أن أدت إلى إضعاف جيش الإمامة إثر مقاومة أسطورية استمرت لسنوات ضد جحافل الغزو الزيدية.
ولم يكتفِ أبناء تهامة بذلك، بل عندما كانت الجمهورية الوليدة على وشك السقوط إبان حصار السبعين، تلك السبعين التي أطبق فيها جيش الإمامة الزيدي الحصار على #صنعاء أواخر عام 1967، وكانت سبعين يومًا كافية ليُختبر فيها معنى الانتماء والتضحية.
في تلك اللحظة الفاصلة، تحولت تهامة إلى شريان حياة.
وبمساهمة أساسية من أبطال تهامة المستبشرين بالجمهورية الوليدة، فتح طريق #الحديدة–صنعاء، في خطوة استراتيجية كسرت الطوق ومهَّدت لإنهاء الحصار تمامًا في 8 فبراير 1968.
لكن بعد كل تلك التضحيات، تم الغدر بتهامة والتنكر لرجالها، وفرض عليها حكام من مراكز القوى الهضبوية تعاملوا معها كغنيمة حرب، وهمَّشوا الإنسان وأقصوا أبناء تهامة في أرضهم.
قُسّمت تهامة بين عدة محافظات، وسيطروا على كل مفاصل السلطة والثروة فيها، حتى على مستوى مديري المديريات ومديري أمن المديريات. بل إن دبابات الجمهورية الوليدة قصفت أبناء تهامة في قرى الزرانيق والقوقر بأوامر من المفروض محافظا للحديدة سنان أبو لحوم بعد رفضهم الوصاية الهضبوية ومطالبتهم بأن تحكم تهامة نفسها بنفسها.
وبعد كل تلك التضحيات لم يتم حتى مجرد الاعتراف بمساهمة ونضال أبناء تهامة مع ثورة ٢٦ سلام أو في حصار السبعين، بل جرى إقصاؤهم بصورة ظالمة.
على سبيل المثال، أحد أبناء تهامة، المناضل إبراهيم سليمان مجاهد (أبو داود الزبيدي) رحمه الله، كان من المشاركين في فك الحصار ضمن ثلة من الضباط الأحرار الذين قدموا من عدن.
وكان قد انخرط قبل ذلك في صفوف ثوار 14 أكتوبر، جامعًا بين مساري سبتمبر وأكتوبر في مسيرة نضالية واحدة.
قاتل دفاعًا عن صنعاء كما قاتل من أجل الاستقلال في الجنوب.
لكن، وكما حدث مع كثيرين من مناضلي الثورة التهاميين، ظل مهمَّشًا سنوات طويلة بعد أن هدأت المدافع.
لم ينل نصيبه من الاعتراف، ولم يُمنح مكانته التي يستحقها بين أبطال الثورتين.
وبعد قيام الوحدة، التقى بالمناضل عبدالله علي علويه في صنعاء، الذي تذكره وأشاد بدوره وأرسله إلى حمود بيدر قائلًا:
"هذا من أبطال الثورتين… كيف لا تعطوهم حقهم مثل ما أخذتم حقكم؟"
حينها فقط سُجِّل متأخرًا ضمن مناضلي الثورتين.
وقصة أبي داود ليست استثناءً فرديًا، بل صورة مصغَّرة لمسار إقصاء وجحود أوسع عاشته ولا تزال تعيشه تهامة.
قدمت أبناءها في لحظات الحسم، لكن حين أُعيد تشكيل مراكز القرار، لم تكن في موقع الشراكة الكاملة.
واليوم نرى تكراراً لتلك القصة بصورة أخرى في ساحل تهامة. يسكن أيتام كثير من شهداء تهامة ومهجريها في خيام مهترئة لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء، بينما تبنى المدن السكنية لمن كان يقتل آباءهم يدا بيد مع الحوثيين حتى الأمس.
وبعد الانقلاب الحوثي الأخير، عادت تهامة إلى الواجهة من جديد.
مدن تهامة وسواحلها وسهولها وجزرها كانت في قلب المواجهة منذ الطلقات الأولى.
ومرة أخرى، الدم تهامي والخسارة تهامية والجبهات الأمامية تهامية، والإقصاء نصيب تهامة، وجني الأرباح السياسية للغير ولصالح خونة الأوطان المتقلبين.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل سيسمح أبناء تهامة ورجالها وأبطالها بتكرار السيناريو نفسه بعد كل التضحيات من أجل القضية التهامية والوطنية؟
هل سيسمحون بأن تذهب تضحياتهم وقضيتهم سدى وأن تسلم أجيال تهامة القادمة لنفس قوى التسلط والوصاية والعنصرية؟