‏نصف يوم مع الرئيس !

‏كان لي رأي، قلته في حضور الرجال الذين يحيطون برئيس الجمهورية: أن يلتقي رؤساء المؤسسات الإعلامية، فيسمع منهم، ويسمعوا منه. نقلت هذا الرأي إلى وزير الإعلام معمر الإرياني. كان الحديث قد بدأ منذ أشهر، وكان يبدو باليًا لو كررته مرة أخرى. وذات مساء، وجدت على هاتفي رسالة من الصديق عدنان الصنوي، سكرتير فخامة الرئيس، تفيد بأن الرأي السابق ليّ قد تطور، فصار ندوة يُحكى فيها كل شأن. فأسعدني الأمر، وأهابني في الوقت نفسه.

‏أسعدني لأن الرئيس رشاد العليمي رجل أمن مثقف، وأكاديمي بارز، وعالم اجتماع متمرس، ورجل شرس في سعيه الملحوظ نحو المعلومة والعِلم. وأهابني لأني لست صديقًا للكاميرا. يكون الصحافي دومًا بعيدًا عن حلبة الاستوديو، يكتب أكثر مما يتحدث، غير أن الصوت والصورة اليوم باتا منصة الحاملين لهواتفهم، الأقرب إلى مشاعرهم، والأمضى في اعتماد هذه الشاشة المضيئة ترفيهًا ومعلومة.

‏كنت وما زلت عند رأيي: إن انفجار المنصات الرقمية سيعيد الإنسان إلى المؤسسة الصحافية ذاتها، وعلى المؤسسات أن تهيئ أمرها لذلك، فتعيد تدريب الصحافي على الاستخدام الأقوى للتكنولوجيا، مع بقاء معايير الصحافة عند أصلها الجوهري وقيمتها الأولى.

‏حالة التيه عن المؤسسة الصحفية التي ترافق جمهور اليوم ستدفعه لاحقًا إلى أقصى مدى، حتى تكاد ترى أن كل إنسان يعيش داخل فقاعة من المعلومات والإعلام، وهو ما يؤدي إجباريًا إلى العودة إلى أصل الصحافة، باعتبارها الشغف الأول لأي مخلوق عاقل. وخلال السنوات الأربع المقبلة، سيغدو خيار المعلومة الموثوقة سبيلًا لعودة المؤسسات الباردة إلى نيران التفاعل اللامحدود.

‏من هنا، من هذه النقطة، حاولت أن أشرح ذلك في الاجتماع الأول للرئيس مع مؤسسات حكومته الرسمية. كنت في الدقيقة الأولى، على أعتاب الثانية، وشعرت أن الكل يستعجلني. ورأيت عدنان الصنوي قد قام من جلسته البعيدة، ينظر نحوي، ويداه مقبوضتان على صدره، فأصابني طيف ارتباك.
‏جاءني ذلك السؤال الأول العاجل، وانفجر مثل بالونة بنفسجية أمامي:
‏هل أنا ممل؟
‏كانت عينا الرئيس الصغيرتان تبتسمان، ووجهه يشع بطريقة لها مهابتها الكبرى، فارتفع منسوب الارتباك. وبلمحة خاطفة إلى الوزير معمر الإرياني، رأيته يستنطقني بشفتين نصف مفتوحتين، وكأنه يقول: الاختصار فضيلة. وما تقوله نعرفه عن صحيفة الثورة وجهود شبابها الفدائيين محل تقدير واسع، وهذه معلومات نعرفها!، فابتسمت، وتوقفت قليلًا، هنيهة كما يقول أصحاب معاجم اللغة، وختمت الحديث بما ختم به زملائي رؤساء المؤسسات الآخرين.

‏كان الوقت أوان الأصيل، والشمس ترسل آخر ألوانها الخضراء والزرقاء والصفراء على نوافذ زجاج القمرية الساحرة بمبنى السفارة اليمنية في الرياض. وقبل العشي، تهبط الشمس، ويسقط معها كل شعاع نافذ، فتتوارى خلف قمم الجبال البعيدة والأبراج العالية، وتبدأ النشوة الهادئة لصيف لافح لا يكاد يُطاق.

‏قبل هذا المشهد، كنت قد وصلت إلى موقع اللقاء الذي تأجل مرتين، وظننت أنه لن يكون، رغم حماس العزيز "الصنوي". وفي لقبه مثار أسئلة، وقد أسررت له أن لكل إنسان من اسمه، وربما لقبه، نصيبًا. فهو صنو كل صحافي، وعلى رأسه تطوف آلاف الرسائل التي تُمني نفسها قرارًا، أو مالًا، أو لقاءً، وغير ذلك.
‏وماذا يعني الصنو يا سيبويه؟
‏يقول: إنه الشقيق.
‏وشقيقنا عدنان، وبه نفاخر.

‏ارتديت بدلة زرقاء، من بين ثلاث بدلات أحتفظ بها للمناسبات، وانتعلت حذاءً جديدًا اشتريته يوم صعود الرئيس العليمي إلى سدة الحكم، ومضيت بكل شيء لامع نحو اللقاء. كان الغبار قد استولى على سماء الرياض بضع ساعات، فحجب عن الناس شمسهم، وعنّي كذلك، حتى تدلت الشمس ولم تعد شرسة ولا ملتهبة. وبقيت هكذا أرنو نحو خارطة الطريق، حتى وصلت إلى حي السفارات شديد التنظيم.

‏هناك انطفأت أصوات سيارتي وضجيجها وصفير محركاتها الذي لم أجد له تفسيرًا، وبقيت قليلًا أجمع هدأة نفسي. ثم ترجلت، ورأيت باب السفارة الداخلي مفتوحًا، فوثبت منه بحيوية رجل يعشق الماء البارد.

‏في الداخل، كان محمد شيبان، رجل السفارة العتيق، يجتهد في جلب بعض الفنيين لإصلاح خلل طارئ أصاب مكيف الهواء، وهو يدور بصوت رجل صنعاء ولهجته. وهناك، في المنتصف، كان المهندسون غارقين في ترتيبات الصوت، والكاميرات تتوزع بشكل دقيق لاستيعاب مساحات الصورة، والأسلاك الكهربائية مرسلة على فناء رخامي بارد مثل أفاعٍ سوداء نُزع عنها السم. وحقائب كبيرة تخرج منها أنواع ومقاسات شتى من إضاءات التصوير، ورجال المراسم الرئاسية بأناقتهم الفطرية يبتسمون، يصافحون، ويضعون الأسماء على الكراسي.
‏وأنا هناك وسطهم، أبدو مزعجًا، مربكًا.
‏فانسحبت لأسأل عن مكان الماء، وشربت حتى ارتويت.
‏كان عبدالله حزام أول الواصلين، وهو الصحافي الكبير، الراهب الأجدر بفنون الخبر وفنياته. وقد استفاق من حفلة الشعر الغجري الذي يكسو وجهه، فشذبه عند حلاق صارم، جزّ منه ما أعاد ملامحه إلى الظهور، وقد اكتسى كله بالأبيض. وأقبل محمد هشام باشراحيل، ببدلة سوداء، ومعه غسان عبدون، بوجه حضرمي لا يمكن أن تخطئه العين، وخالد عليان، فجمال عزالدين، ومحمد عايش الذي طار من المخا قبل أن تطير إليها مسيّرات الحوثي الإجرامية، صار أسمر من ذي قبل، وقد حمل وزنًا زائدًا عما عرفته قبل ثلاثة عشر عامًا، واكتسى لون الزرانيق، قبيلة وفتوى. وبهدوء جاء فارس الصبيحي، ومن ورائه محمد زبارة، وبقية الرؤساء والمديرين الذين يمثلون قطاع الإعلام الحكومي والوطني.

‏شربنا الشاي، واحتسينا القهوة، وأطل الوزير معمر الإرياني بلطفه، فتجمع حوله الرؤساء الذين ذكرتهم. وما انفضوا حتى دخلنا غرفة متصلة بمكان اللقاء. حينها كان صوت محمد الحاج، بوجهه القحطاني، وطوله الذي يُخشى منه، وجديته التي تكسو ملامحه، يدعونا إلى الدخول، كلٌّ إلى مقعده واسمه ورسمه. وقد وضعنا هواتفنا على مصطبة قطنية مزركشة، وبدأ الوفد الرئاسي الأقرب بالتوافد: جابر محمد، ثم فهد أبو ناصر، حارس فخامته المحترم. وعندما ظهر عدنان الصنوي محييًا، عرفنا أن الرئيس رشاد العليمي على وشك الدخول.
‏ثم دنا وتدلى، صار قاب قوسين أو أدنى، وبدا الرئيس، ملقيًا التحية، واستوى على كرسيه، مفتتحًا الجلسة بسؤال كل واحد عن حاله. وكانت تلك الملاطفات التي تسبق أي لقاء، وحوله يدور فريق السكرتارية، يقدمون الأوراق ومحاور اللقاء. ثم حمد الله وأثنى عليه، وصلى وسلم على رسوله الكريم، وقال:
‏أيها الرؤساء..

‏وهنا وقع التعريف محببًا إلى نفسي، وجُعل فخامته يوزع نظراته على الجميع، يصادقهم، ويمضي في سرد أحداث ما توقف عنها يومًا، وأمور تُقال خارج السرد العام. أحاطنا بما أحاطه الله به من علم، وفو كل ذي علم عليم، وكان يأتي بحديث الرئيس، ثم يقطع الأكاديمي عنه في روحه الشفافة حديث السياسي، ويدخل في بحور علم الاجتماع، فيُفصِل رؤيته للمعركة والموقف والإنسان. ويشدد، بمهارة العارف لمشاهد التاريخ وملهاته الأثيرة في التكرار، على تحصين الحلف العربي الأسمى بين اليمن والسعودية وتوثيقه، في السر والعلن، وأننا محظوظون بهذا الشقيق الذي لا يمكن عدّ أفضاله، وأن الثقة في مجلس القيادة الرئاسي عنوان الإيمان بالجمهورية وكل دستور فيها.

‏كان حديثًا طويلًا، يقترب من الغروب، وقد أزف نهار ذلك اليوم. فقمنا للصلاة معًا، ثم عدنا، ولم تعد أشعة الشمس، وهدأت الرياض في ليلها الذي يؤنس عشاق اللقاءات. وكان صوت حفيف شجر الفناء الواسع للسفارة اليمنية، بخضرته العصية على الشمس اللاهبة، يختلط بصوت عبدالله حزام الضاحك، المعترض على وصفه بالرجل الأكبر سنًا بين رؤساء المؤسسات الإعلامية.
‏وكان الرئيس قد طلب منه الحديث أولًا، ثم جاء محمد هشام باشراحيل، رئيس مجلس إدارة مؤسسة 14 أكتوبر للصحافة، ليختصر عن الجميع ما يريدون قوله: من طلب، وأمل، وسؤال، وشكوى. وجئت أنا لاستعرض مهاراتي المبتدئة في الحديث. ومن بعدي تحدث جميل عزالدين، يفوق ويتفوق في طرحه، وله تلك العينان الواسعتان. وكلما حدّق نحوي، سألت نفسي:
‏يا تُراه سيضربني؟
‏ثم خالد عليان، بذوقه الرفيع ولغته المتماسكة، تحدث عن أسس المصطلحات الإعلامية.
‏وكان لكل منا دقيقتان، فيما اختصر غيرنا حديثه في أقل من عشر ثوانٍ. فحيا وسلم، ووافق على ما طُرح، ثم ذهبنا إلى الصالة الفسيحة. وهناك اعتلى الرئيس كرسيه، وبقينا أمامه موزعين على كراسينا، ولنا حرية السؤال فيما نختار.

‏وقد ذهبت إلى السؤال عن الموقف الدولي قبل أن يلتقطه أحد غيري. وكنت رابع من سأل، وأجابني فخامته، وتسمعون ذلك وتشاهدونه في اللقاء الذي يُبث خلال ساعات، إن شاء الله.
‏عندما انتهى اللقاء الطويل، والحوار الأوسع لرئيس يمني مع قيادات دولته من الإعلاميين، كان شعوري متقدًا بالعزيمة على مواصلة العمل رغم كل شيء. فها أنا أقضي قرابة نصف يوم مع رئيس يكبر كل يوم، سنًا ومشهدًا، ويغدو مشيًا ووثبًا نحو تحقيق ما يريده كل مسؤول أول: أن يكون موظفًا فالحًا، تُثمر جهوده، وتتحقق مساعيه نحو استعادة ما تبقى من مؤسسات الدولة، وبسط سلطتها على كامل ترابها الوطني.
‏لقد جاء رشاد العليمي في وضع منقسم، وعلى رأس مجلس من أعيان اليمن ونقبائه ومناضليه. فمنهم من تعجل واستكبر، ومضى إلى حاله بعيدًا، ومنهم من عرف وصبر وتجلد وأوفى، ونال حظه بتأليف الله للقلوب، وتوحيد المشهد العسكري، ومعرفة طبيعة العدو وخبثه.
‏وهكذا تكون البدايات، إن أحسنت، ترتمي إليك النهايات بالفلاح المبين.
‏قال الرئيس في وصفه للرئيس الراحل عبدربه منصور هادي، يرحمه الله: "إنه رجل فاضل بحق" وأستعير هذه الجملة بحروفها من فم الرئيس لأكتبها. وعندما وصلت إلى منزلي، وقد تجاوزت عقارب الساعة منتصف الليل بقليل، قلت لابني الذي كان ينتظرني على عتبة الدار:
‏لقد رأيت رئيسًا يمنيًا يصف الرئيس الذي سبقه بأوصاف حسنة، وعيون فيها فقد وحنان ومحبة.
‏وكانت هذه أول مرة تحدث في تاريخنا المحمول على الغضب والإقصاء والدم.
‏هذه الإشارات اللفظية، على صغرها وضآلتها، تفيد بمعرفة الرجل السبعيني الذي مكثت معه قرابة نصف يوم. رجل لم يكد يتوقف عن العمل واللقاء والحديث والإصغاء لكل هؤلاء الذين يريدون منه كل شيء، بينما لا يملك كل شيء.

‏يجب أن نعينه، وندعو له، ونسانده بصدق وإخلاص.
‏فالرئاسة أمر صعب للغاية، شؤونها شؤون الناس على نفوسهم وأمزجتهم وقناعاتهم. وأن تفلح في إدارة كل هذا الغضب الذي يتلوه الناس مثل أنفاسهم في كل وسيلة، والحالة التي باتت عليها اليمن قبل مجيئه، وما يمكن أن تصبح عليه وقد صار الرئيس، وأن تتهذب مع من سبقك في الرئاسة، وأن تكرس كل لحظة من صحوك لقيم المنظومة الجمهورية، وأن تتحدث بذهن صافٍ وتستجمع كل ذكرى وموقف يناسب اللقاءات التي لا تنتهي منذ أربع سنوات، إنه أمر لا يصدق.
‏قبل أن أغادر، اقتربت من الرئيس المحترم، وعبرت له عن امتناني لهذه الفرصة، وتمنيت لو أن كل يمني عرف هذا الشأن كما أريد أن يراه.

‏وطلبت منه صورة جماعية، سأنشرها حين تصل إلى هاتفي بدقة واضحة.
‏ثم رأيته يودعنا جميعًا، وقد هدأ الصوت في داخلي.
‏وكان كرسيه هناك.
‏اقتربت منه، جلست، وطلبت من أحد المصورين الذين كانوا يجمعون أغراضهم صورة للذكرى.
‏عندما وصلت إلى منزلي، ظلت كل اللحظات الطويلة تتزاحم في داخلي، وقررت بعد صلاة الفجر أن أكتب كل هذا.
‏وصباحكم سُكر..

نقلًا عن الثورة

مقالات الكاتب