القضية الجنوبية: ثبات الفكرة وتحوّلات الأدوات

ليست القضية الجنوبية حدثاً عابراً يُقاس بعمر كيان سياسي، ولا رهينة اسمٍ أو قيادةٍ بعينها، بل فكرة متجذّرة في الوعي الجمعي، تشكّلت عبر عقود من التراكم السياسي والاجتماعي، ولهذا فإن الرهان على إسقاطها بحل مجلس أو تغيير قائد ليس سوى سوء فهم لطبيعة القضايا العادلة. فالقضايا لا تموت، بينما الكيانات والأشخاص، بحكم الواقع، مراحل وأدوات في مسار أطول.

ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري إعادة تصحيح المسار وضبط البوصلة في لحظة تتكاثر فيها الخطابات المتشنجة، ويعلو فيها صوت الشقاق على حساب الحكمة.. إن أخطر ما قد يواجه القضية الجنوبية اليوم ليس قراراً سياسياً بعينه، بل خطابٌ داخليٌ يُعيد إنتاج الانقسام، ويحوّل الخلاف في الوسائل إلى خصومة في الجوهر، ويستنزف الرصيد المعنوي للقضية بدلًا من تحصينه.

الجنوب ليس ملكاً لفئة، ولا حكراً على منطقة، ولا امتيازاً سياسياً يُمنح أو يُسحب.. فالجنوب لكل أبنائه، والشراكة بين مكوّناته ليست شعاراً أخلاقياً يُرفع عند الحاجة، بل شرطاً موضوعياً للاستقرار.. وكل خطاب يُغذّي الفرز المناطقي أو السياسي إنما يخدم، بوعي أو بدونه، مشاريع إضعاف القضية لا حمايتها.

في هذا السياق، لا يمكن القفز على موقف القائد عبدالرحمن المحرمي (أبو زرعة) وتعاطيه الإيجابي والمسؤول مع دعوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية.. فذهابه إلى الرياض لم يكن خطوة شكلية، ولا تراجعاً عن ثوابت، بل استجابة واعية عكست إدراكاً عميقاً لحساسية اللحظة، وتغليباً للمصلحة العليا للقضية الجنوبية على حساب ردود الفعل الآنية.

وفي الإطار ذاته، يأتي ذهاب وفد المجلس الانتقالي الجنوبي "المُنحل" وتأكيده على المشاركة الفاعلة في المؤتمر القادم، بوصفه جزءاً من المشهد العام الذي يشير إلى إدراك متزايد بأن إدارة الخلافات سياسياً، مهما كانت التعقيدات، تبقى أقل كلفة من تركها رهينة للتصعيد والانفعال.

وفي السياق نفسه، تجدر الإشارة إلى أن دعوة المملكة العربية السعودية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي – الجنوبي جاءت استجابة لمطالب صريحة تقدّمت بها مكوّنات وقوى جنوبية فاعلة تقع خارج إطار المجلس الانتقالي، رأت في الحوار الشامل مدخلاً ضرورياً لمعالجة الاختلالات، وتوسيع قاعدة الشراكة، وكسر حالة الاحتكار السياسي. وهو ما يمنح هذا المسار شرعية إضافية، باعتباره ثمرة مطلب جنوبي داخلي قبل أن يكون مبادرة خارجية، ويؤكد أن المؤتمر لا يُفرض من الأعلى، بل ينبع من حاجة واقعية عبّرت عنها أطراف جنوبية متعددة تبحث عن تمثيل أوسع وحل توافقي أكثر استدامة.

لقد شكّلت هذه المواقف مجتمعة محطة سياسية مفصلية، أسهمت في الحفاظ على مكتسبات القضية الجنوبية وتحصينها من محاولات الاستهداف، وأكدت أن الرياض لم تكن ساحة ضغوط، بل ساحة تثبيت موقف لا تراجع عنه. فالقراءة العادلة لا تُقيّم المواقف بنبرة الشارع أو حرارة اللحظة، بل بنتائجها الاستراتيجية وأثرها التراكمي.

وانطلاقاً من ذلك، تبرز أهمية مؤتمر الحوار الجنوبي – الجنوبي المزمع عقده في الرياض.. فالحوار يظل أداة سياسية أرقى من القطيعة، ومساحة اختبار حقيقية للقدرة على تحويل التنوع الجنوبي من عبء إلى قوة.. إن مقاطعة الحوار بدافع الغضب لا تصنع بديلاً، بينما المشاركة الواعية تتيح التأثير، وتوسيع سقف المطالب، وحماية الثوابت من داخل المسار لا من خارجه.

وفي هذا الإطار، لا بد من توجيه الشكر والتقدير إلى المملكة العربية السعودية، قيادةً وحكومةً، على رعايتها لمسار الحوار الجنوبي، وما تبذله من جهود سياسية مسؤولة لتهيئة مناخ توافقي يُمكّن أبناء الجنوب من إدارة حوارهم بعيداً عن الضغوط والانفعالات. لقد أثبتت المملكة، في أكثر من محطة، أنها تتعامل مع القضية الجنوبية بوصفها ملفاً سياسياً جاداً، لا ورقة ظرفية أو تفصيلاً هامشياً.

كما تأتي التطمينات التي قدّمها سمو وزير الدفاع محمد بن سلمان بشأن القضية الجنوبية ومؤتمر القضية الجنوبية المرتقب، لتؤكد أن هذا المسار يحظى باهتمام إقليمي ودولي، وأن المؤتمر سيُعقد بمشاركة دولية وأممية، بما يمنحه وزناً سياسياً يتجاوز كونه لقاءً شكلياً أو حدثاً إعلامياً عابراً. وتمثل هذه التطمينات عامل طمأنة مهم، وتُسقط كثيرًا من المخاوف التي يجري توظيفها لتبرير الانكفاء أو المقاطعة.

إن الرعاية والضمانات الإقليمية والدولية ستمنح القضية الجنوبية هامشاً أوسع للانتقال من حالة الاستنزاف السياسي إلى تثبيت المكاسب، ومن الانفعال إلى الفعل السياسي المنظّم، شريطة امتلاك وعيٍ جمعيٍ قادر على استثمار اللحظة بدل الارتياب منها.

خلاصة القول: القضية الجنوبية باقية لأنها فكرة عادلة، وستبقى ما دام هناك من يؤمن بها بعقلٍ بارد وقلبٍ ثابت. أما الكيانات والقيادات، فهي وسائل تتبدّل، ويُعاد تقييمها بميزان الأثر لا العاطفة.. وفي لحظات التحوّل، لا نحتاج إلى رفع السقوف الكلامية، بل إلى خفض منسوب الانقسام، ورفع منسوب الحكمة.

#القضية_الجنوبية
#الحوار_الجنوبي

#نجيب_الكلدي

مقالات الكاتب